عبد الشافى محمد عبد اللطيف

244

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بالصدفة ، وحديثها كله عن كوم شقاو وحده ، والذي يبدو أنه كان من الأقاليم المشهورة في كل ما يتعلق بصناعة السفن ، من تجارة وعمال مهرة ، وأدوات صناعة من الأخشاب إلى المسامير والحبال . . إلخ . ولم يكن هو الإقليم الوحيد بطبيعة الحال ، لكن حظه كان أحسن من غيره لاكتشاف بردياته ، التي ألقت الضوء على ما كان يقدمه لصناعة السفن ، وربما تكشف لنا الأيام عن أوراق بردي أخرى في أماكن أخرى تلقي الضوء على مناطق عديدة غير كوم شقاو كانت تمد الأساطيل بحاجتها من العمال المهرة وأدوات الصناعة ، فتعدد الأساطيل ، وتعدد دور الصناعة وتباعدها يقتضي الكثير من المراكز التي تمدها بحاجياتها من العمال والأدوات . فقبل أن ينتهي القرن الهجري الأول كان المسلمون قد امتلكوا ثلاثة أساطيل بحرية كبرى : الأسطول الشامي ، والأسطول المغربي - وسيأتي الحديث عنهما وشيكا - والأسطول المصري ، وهو أكبرها وأكثرها أهمية ، كما كان أمير البحرية المصرية هو القائد العام لجميع هذه الأساطيل « 1 » ، وكثيرا ما اشترك الأسطولان الشامي والمصري في عمليات عسكرية واحدة ، كما حدث في غزو جزيرة قبرص سنة ( 28 ه / 648 م ) . وفي غزوة ذات الصواري الشهيرة سنة ( 34 ه / 654 م ) وكان قائدها العام ، الذي قاد القوات المشتركة من الأسطولين الشامي والمصري ، هو أمير مصر عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح « 2 » ، وعلاوة على هذه الأساطيل الثلاثة الكبرى كانت هناك قوة بحرية أصغر حجما في البحر الأحمر لحراسته ، وكانت تحت قيادة قائد الأسطول المصري ، والجهد الأكبر والفضل الأول في بناء كل الأساطيل يرجع إلى أهل مصر . * المصريون يبنون أساطيل الشام : ذكرنا من قبل أن أول من أدرك حاجة المسلمين إلى امتلاك قوة بحرية لحماية شواطئ المسلمين في الشام ومصر ، للارتباط الأمني الوثيق بين الإقليمين ، ودعا إلى ذلك بقوة وإصرار ، هو أمير الشام ، معاوية بن أبي سفيان ، غير أن دعوته اصطدمت بمعارضة قوية ممن بيده القرار ، وهو الخليفة عمر بن الخطاب ، ولكن على الرغم من

--> ( 1 ) د . سعاد ماهر - البحرية في مصر الإسلامية ، مرجع سابق ( ص 87 ) . ( 2 ) د . إبراهيم العدوي - الأساطيل العربية ( ص 39 ) ، د . حسين مؤنس - تاريخ المسلمين في البحر المتوسط ( ص 60 ، 61 ) .